أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي
48
النكت في القرآن الكريم في معانى القرآن الكريم واعرابه
المبحث الثالث تفرده بوجوه إعرابية لبعض المسائل النّحوية لقد جاءت آراء المجاشعي المستقلة في كتابه ( النكت في القرآن ) على صورتين ، هما : أولا : اقترانها بإشارة منه ، نحو : أمّا أنا فأرى ، وهو غير صحيح ، وليس الأمر عندي كذلك ، وهذا ليس بشيء ، والوجه عندي ، . . . « 1 » . ثانيا : آراء جاءت عرضا في المباحث النحوية واللغوية . منها آراء لم يقف عليها العلماء طويلا ، فجاءت عند المجاشعي أكثر توضيحا وتفصيلا . وسأعرض لهاتين الصورتين بعض الأمثلة التطبيقية ، نبين من خلالها ما للمجاشعي من قدرة عالية في الاجتهاد النحوي واللغوي . في قوله تعالى : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 30 ] ، اختلف العلماء في ألف أَ تَجْعَلُ ، فقال أبو عبيده والزجاج : هي ألف إيجاب ، واستدلوا بقول جرير : ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح وقالوا : هذا إيجاب وليس باستفهام . قال المجاشعي : " وهذا القول غير مرضي ، وإنما غلط من قال هذا من قبل أن اللّه تعالى قال : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فلا يجوز أن يشكّوا فيما أخبرهم اللّه تعالى ، فيستفهموا عنه ، فلهذا منعوا أن يكون استفهاما . وليس يوجب الاستفهام الشك في أنه سيجعل ، وإنّما يوجب الشك في أنّ حالهم يكون مع الجعل ، وترك الجعل في الاستقامة والصلاح سواء . وأصل الألف للاستفهام ، قال علي بن عيسى ، قال بعض أهل العلم : هو استفهام ، كأنهم قالوا : أتجعل فيها من يفسد ، وهذه حالنا في التسبيح والتقديس ، أم الأمر بخلاف ذلك ، فجاء الجواب على طريق التعريض من غير تصريح في قوله : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ، وهذا الاختيار ؛ لأنّ أصل الألف للاستفهام . . سمعت أبا محمد مكي بن أبي طالب - بعض شيوخنا - يقول : الاستفهام فيه معنى الإنكار ، ولا يجب أن تحمل الألف ، وكان يسميها ألف التعجب ؛ كأن الملائكة تعجبت من ذلك . وأما أنا فأرى أنها ألف استرشاد ، كأن الملائكة
--> ( 1 ) ينظر مثلا : 38 ، و 280 ، و 355 . . .